محمد نبي بن أحمد التويسركاني
8
لئالي الأخبار
العذب ، فبقدر ما يدخل من الخلّ يخرج من الماء لا محالة ، ولا يجتمعان فلأجل ذلك كان الأنبياء والأولياء مع كونهم أكمل الخلق نفوسا وأقويهم استعدادا لقبول الكمالات أعرضوا عن الدنيا وطيباتها كلها ، واشتغلوا بالرياضات والمجاهدات ، للعروج إلى أعلى ما كانوا فيه ، وما ذلك إلا لما علموا من أن الدنيا ولذاتها وطيباتها وشهواتها بأسرها مع الآخرة ضرّتان ، وكالبلدتين إحديهما بالمغرب ، والأخرى بالمشرق ، فبقدر ما ترضى أحديهما تسخط الأخرى ، وبقدر ما يقرب من إحديهما يبعد من الأخرى ، وإلى هذا يشير ما في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في جواب من سأله ما بال أصحاب عيسى عليه السّلام كانوا يمشون على الماء وليس ذلك في أصحاب محمّد صلى اللّه عليه واله قال : إن أصحاب عيسى عليه السّلام كفلوا المعاش وإن هؤلاء ابتلوا بالمعاش . أي كفل اللّه معاشهم بانزال المائدة أو الغنى أو القناعة والرياضة ، فصرفوا أعمارهم في تحصيل المعارف والاشتغال بالعبادة ، فصاروا يمشون على الماء بخلاف هؤلاء ، وقال سمنون المحب : أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه ، وأول هجران العبد للحق مواصلته لنفسه وقال الملا عبد الرزاق في كلام له : لا يحصل التقرب إلى اللّه الا بالتبري عما سواه ، فمن أحب شيئا فقد حجب عن اللّه واشرك شركا خفيا ، لتعلق محبته بغير اللّه كما قال تعالى : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ » أقول واليه يشير قوله صلى اللّه عليه واله : لا حق لابن آدم إلا في ثلاث ، طعام يقوم به صلبه ، وثوب يستر به عورته ، وبيت يكنّه . وتاتى في الباب في لئالى الزهد وفي لئالى ذم الدنيا وفي أواخر الباب في أحوال السالكين لذلك شواهد ، وتأتى في الباب الرابع في لؤلؤ الأول منه ، وفي لؤلؤ مفاسد الغنى وغيره له شواهد ودلائل أخرى ، وستأتي هنا له شواهد اخر وقال تعالى : « فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » وقال : ما غضب اللّه على قوم ولا انصرف رحمته عنهم الا لقساوتهم ، وقال : أن اللّه يحب من كان عدوا وغاضبا على من كان قلبه غافلا ، وصرف أوقاته باللعب والعبث ، ويمضى ليلته بالنوم ولم يذكر اللّه . * ( في مفاسد قساوة القلب ) * وقال بعض الأكابر : نتيجة القساوة الغفلة ، وعلامة رقة القلب التوجه بالطاعة ، وقال عيسى عليه السّلام : ما مرض قلب أشد من القسوة . وعن ابن عباس ابعد الخلق عن اللّه القلب القاسى .